القبائل و الإنتخابات فى صعيد مصر
تشكل القبلية أحد أهم العوامل المحورية للسياسة و الإنتخابات بجنوب مصر. كان للقبائل الرأى الأول و الأخير بشأن الإنتخابات و نتائجها فى كثير من المناطق لعقود مضت. سيتم إختبار مدى القوة التى تمتلكها القبائل فى الإنتخابات القادمة من خلال مواجهة الأحزاب السياسية الجديدة. و السؤال هو: هل ستستطيع القبائل التغلب على النظام الحالى القوى للإنتخابات؟
تحظى القبائل بمكانة كبيرة داخل العملية السياسية بداية من جنوب القاهرة وصولا إلى مدينة أسوان الجنوبية. و يجب أن يتم أخذ القبائل بعين الإعتبار عند مناقشة العملية الإنتخابية. يصل تأثير القبائل فى بعض المناطق إلى أعلى درجات القوة، بحيث لا يفكر أحد فى الإنتخابات بدون التفكير فى التحالفات القبلية و سياساتها. لا تعد الإنتخابات فى هذه المناطق منافسة بين الأحزاب السياسية و أفكارها، بل هى منافسة بين قبيلتى العبابدة و الجعافرة؛ أكبر قبائل جنوب مصر.
يعد التفكير فى الإنتخابات و القبائل معا جزءا متكاملا من ثقافة حنوب مصر السياسية و مازالت هذه العلاقة محط إهتمام التحليلى السياسى الداخلى حتى بعد التغيرات السياسية التى حدثت مؤخرا. و يوضح مقال عن الإنتخابات تم نشره مؤخرا بجريدة صوت أسوان المحلية هذه الحقيقة. يدور المقال حول توضيح كيفية توزيع الأصوات داخل الدوائر الإنتخابية بالمحافظة و بالتالى يتناول أيضا التكوين القبلى لمختلف مدن و مناطق المحافظة. وعلى سبيل المثال “تمثل قبيلة الجعافرة ٦٠٪ من الأصوات الإنتخابية ـ أى ٣٥،٧٦٣ صوتا ـ و تمثل قبيلة العبابدة ١٥٪ من الأصوات ـ أى٨،٩٨٢ صوتا ـ بينما تمثل قبيلتى الأنصار و الحربايب ٥،٩٨٨ صوتا“. و ما يلفت للنظر هنا هو الخلفية القبلية للناخبين و المرشحين، و ليس دعم الناخبين للأحزاب و إتجهاتها السياسية.
و تعد القبائل عائلات كبيرة تختلف عن جيرانها سياسيا و ليس ثقافيا. و يعود أصل جميع هذه القبائل إلى الأشخاص الذين أتوا من شبة الجزيرة العربية مع عمرو بن العاص خلال الفتح الإسلامى لوادى النيل فى عام ٦٤١ م أو حتى خلال القرون التى تلتها.
بالرغم من أصولهم جميعا تعود إلى شبه الجزيرة العربية إلا أن هناك ترتيب بين هذه القبائل إستنادا لإنحدار مؤسسيها من البيت النبوى و بالتالى هم من الأشراف (سلالة البيت النبوى) أو إنحدارهم من أحد العائلات الآخرى.
و نجد المجموعات الصغيرة فى بعض مناطق صعيد مصر لا تنتمى لأى أصول عربية و بالتالى لا تنتمى لأيا من هذه القبائل و يطلق عليهم فى بعض الآحيان فلاحين. و الفلاحين فى هذه الحالة مسلمين، حيث إعتنق أجدادهم للديانة الإسلامية بعد أن كانوا مسيحيين، و ذلك خلال القرون التى أعقبت الفتح الإسلامى لمصر. و لكنها تعد مجموعات صغيرة بجنوب مصر. و يستخدم لفظ فلاح فى أغلب الآحيان للتقليل من شأن فلاحى جنوب مصر، و توجد أيضا مجموعة آخرى تعرف بإسم “بدون نسب“.
و تنقسم القبائل إلى عدد من القطاعات، تمثل فى بعض المواقف وحدات مستقلة. و يعد التضامن السياسى و الأخلاقى بين هذه القطاعات هو أحد صفات القبائل و قطاعاتها، و لكن يجب أن نأخذ بعين الإعتبار أن هذا التضامن لا يحدث تلقائيا بل يتمر من خلال التفاوض و أحيانا الخلاف.
و لطالما شكلت القبائل قوة سياسية خلال أغلب الأوقات، و لكن يبدو أن أهمية القبائل كوحدات سياسية أصبح أكثر قوة خلال العقود الماضية. و يرجع السبب الرئيسى فى ذلك لعلاقة التكامل و الوفاق بين هذه القبائل و الحزب الوطنى الديمقراطى لكونه الحزب الوحيذ الذى يمتلك حضور حقيقى فى هذه المناطق النائية. و قام النظام الإنتخابى الذى ينص على إختيار الأعضاء من خلال التصويت المباشر بدعم نفوذ القبائل على إختيار المرشحين.
و يشهد البعض بالقوة التى إكتسباتها العصبية القبلية خلال العقود الماضية بعد أن كانت القبائل ذات أهمية أقل نوعا ما. و يرجع ذلك لعهد جمال عبد الناصر، عندما قامت الحكومة المصرية بدعم إيديولوجية المساواه و القومية العربية. فكانت فكرة مساندة البعض لأفكار معينة بسبب إنتماءه لمكانا ما تتعارض كليةً مع هذه الإيديولوجية. فقد كان وجود القبائل و“العشائر” بجنوب مصر يعكس الرجعية التى كان يحاول الضباط الأحرار التغلب عليها. فقد كانت فكرة المواطنة داخل بلد حديثة لا تتناسب مع طبيعة القبائل بالنسبة لكثير من الأشخاص، و التى كانت تمتد إلى العلاقة بين الفرد و الدولة و تخلق نوعا من تضارب الولاء.
و قد أصبحت فكرة القبلية و إنتماء الفرد لها مشروعة رسميا خلال عهد أنور السادات و خصوصا أيضا عهد الرئيس السابق حسنى مبارك. و تعد نقابة “الأشراف” دليلا على ذلك، و هى منطمة كبيرة تضم الأشخاص الذي ينحدروا من بيت النبى. و من الجدير بالذكر أن هذه النفابة كانت مغلقة خلال سنوات جمال عبد الناصر، و لكن تم إعادة إفتتاحها خلال عهد مبارك.
يعطى اليوم سكان جنوب مصر ثلاثة أسباب لأهمية القبائل. السبب الأول يرجع إلى أن الإنتماء لقبيلة و قطاع معين أو بيت معين يمنح الشخص هوية. فالناس “يعرفون من أنت” و يصبح لك مكانة داخل المجتمع. فالإنتماء هو تعريف حقيقى و قوى للهوية، على الأقل داخل المجتمع المحلى.
و السبب الثانى هو أن “الإنتماء لقبيلة يؤمن نوعا من الحماية“. ففى حالة خوضك لنزاع بشأن قطعة أرض أو مياه، سيقوم أفراد قبيلتك بمساندتك. و إذا إتسع الخلاف و النزاع، سيقوم أفراد مختلف قطاعات القبيلة بمساندتك. و فى أغلب الآحيان، نعلم بوجود خلاف بين قطاعين مختلفين مع أن الخلاف فى بداية الأمر كان بين شخصين. فهناك نوعا من التضامن و النظام يحكم الخلافات و النزاعات، و يرتبط هذا النظام إرتباطا وثيقا بالتنظيم القبلى. و على الرغم من أنه لا يمكن التنبأ بمجريات الأمور إلا أن هناك عديد من الأسباب تمنع بقية الأفراد من الدخول فى نزاع، على الرغم من وجوب مساندة أفراد البيلة لبعضهم البعض. و قد إكتسب دور القبيلة فى الحفاظ على الأمن قوة خصوصا بسبب تجاهل قوات الشرطة و الحالة المتدهورة للوضع الأمنى.
و يعود السبب الثالث و الأهم إلى دور القبيلة فى مجال السياسة و الإنتخابات. يبحث الناخبون عن أى العلاقة تربطه بمرشح الإنتخابات لكى تكون سببا للتصويت له، و ذلك بعد سيطرة الحزب الوطنى الديمقراطى على الإنتخابات منذ تأسيسه فى عام ١٩٧٨. كانت الطريقة الوحيدة لجذب أصوات الناخبين هى من خلال الإعلان عن الإنتماء القبلى للمرشح، و ذلك بسبب تشابه البرامج السياسية و مؤتمرات الدعاية الإنتخابية لجميع المرشحين خلال الإنتخابات. و بطريقة آخرى يتم تعريف الناخبين من خلال تنثياهم لقبائل مثل العبابدة أو الأنصارأو الجعافرة. يقوم المرشحون خلال فترة الحملات الإنتخابية بزيارة الدوائر الإنتخابية و بيوت الناخبين لضمان الحصول على تأييد القطاعات المختلفة من القبيلة، و ذلك بسبب عدم وجود برامج إنتخابية للمرشحين كما أن معظم الوعود التى يدلى بها المرشحون متشابهة. و من الممكن أيضا أن يقوموا بزيارة بيوت القبائل الآخرى بهدف تشكيل تحالف بين هذه القبائل.
و من الجدير بالذكر أن سياسيات المرشح ليست هى الفيصل فى الإنتخابات بل قدرة المرشح و مسانديه على تشكيل التحالفات بيت القطاعات المختلفة للقبائل، بالإضافة إلى مختلف القبائل أيضا. و يتم ذلك فى أغلب الأوقات من خلال تضامن هذه القبائل عن طريق ذكر التاريخ و الأصول التى تربطها ببعضها البعض.
و سوف يقوم النظام الإنتخابى الجديد (الذى ينص على إنتخاب ثلثى أعضاء البرلمان من خلال القوائم النسبية للأحزاب )، بالإضافة إلى مكانة و تأثير الأحزاب السياسية الجديدة بدور فعال فى العملية الإنتخابية.
و لكن سيستمر القبائل تحكم القبائل و نفوذها من خلال الإنتخابات القادمة. و يجب على المرشح أن يكون على دراية جيدة بتوزيع القبائل المحلية قبل خوض الإنتخابات.

